الشيخ محمد السبزواري النجفي
243
ارشاد الاذهان الى تفسير القرآن
23 - وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ . . . المراودة طلب أمر باللين ليعمل به والمعنى : طالبت المرأة يوسف الذي كان في بيتها وهي زليخا عن نفسه أي أن يواقعها . وهذا يعني أن المرأة التي هو في بيتها ، حاولت معه . وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ أي أقفلتها . وروي أنها كانت سبع حجر - غرف - بين كل منها أبواب تفتحها على بعضها ، وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ هيت : اسم فعل معناه هلمّ أو أقبل . وقرئت : هيئت لك . ومعناه : قد أعددت نفسي لك قالَ مَعاذَ اللَّهِ أي أنه يعوذ باللّه ليعصمه من أن يجيبها إلى رغبتها ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ والضمير في : إنه ، يحتمل فيه وجهان : إرجاعه إلى اللّه لأنه جاء بعد قوله : معاذ اللّه فهو أقرب ما يصلح الإرجاع إليه ، أو إرجاعه إلى عزيز مصر . والإحسان في المثوى أي الإقامة وحسن المعاملة . إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي لا ينجح ولا يصيب الرّشد والخير من تعدّى على الحرمات وظلم نفسه وغيره . 24 - وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها . . . التفسير اللفظي يعني أنها مالت إليه وقصدته باهتمام ، ومال إليها وقصدها بمثل ذلك ولكن ميله معلّق على قوله سبحانه : لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ أي أنه كان يمكن أن يكون منه ذلك لولا رؤية برهان ربّه جلّ وعلا . وحيث لم يحصل المعلّق عليه ، لم يحصل المعلّق أيضا . فالنتيجة أنه ما حصل له ( ع ) ميل ولا قصد سوء معها ، وقيل : ولقد همّت بالفاحشة وهمّ يوسف بضربها ودفعها عن نفسه . وبرهان ربه الذي رآه على ما في رواية الإمام علي بن الحسين ( ع ) هو أن زليخا - في حالة الجذب والاجتذاب - قامت إلى صنمها فألقت عليه ثوبا يغطيه . فقال لها يوسف : ما هذا ؟ فقالت : أستحي من الصّنم أن يرانا . فقال لها يوسف : أتستحين ممّن لا يبصر ولا يفقه ولا أستحي ممّن خلق الإنسان ، وعلّمه البيان ، ويبصر الغيب والعيان ؟ كَذلِكَ أي مثل هذا كان الحال وكانت النتيجة لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ أي أريناه البرهان لنذهب عنه الخيانة وركوب الفاحشة إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ أي الّذين أخلصوا أنفسهم للّه وطاعته . 25 - وَاسْتَبَقَا الْبابَ ، وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ . . . أي تسابقا نحو الباب ، يوسف بقصد الفرار منها وزليخا بقصد منعه والإمساك به فتعلقت بقميصه فشقته طولا من الخلف . فالقدّ هو الشق طولا . وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ أي وجدا زوجها يبدو فجأة عند الباب الذي كان يوسف قد قصده ليهرب من خلاله . والتعبير عن زوجها بلفظ سيّدها إشارة إلى أنه مالك لأمرها . قالَتْ : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ؟ ما هو عقاب من أراد بأهلك خيانة - وأهل الرجل زوجه وعياله - ثم عيّنت نوع الجزاء هذا فقالت : إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي أن يحبس أو أن ينال الإيذاء والتعذيب الشديد أي الضرب الموجع بالسّياط محاولة بذلك تبرئة ساحتها واتهام يوسف . 26 - قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . . . أي : قال يوسف ( ع ) تنزيها لنفسه ودفعا لاتهامها إياه : هي حاولت هذا الأمر وطلبت مني السوء ورغبت فيّ فامتنعت . وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها أي أدّى أحد أقربائها - قيل أنه ابن عمها وقيل غير ذلك - شهادة هي أنه : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ أي إذا كان ثوبه قد شقّ من الامام فإن الدلالة تقوم على أنه قصدها فدفعته عن نفسها . 27 - وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ . . . أي إذا كان ثوبه مشقوقا من الخلف فَكَذَبَتْ في ادّعائها عليه وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ في قوله . إذ من الواضح أنّ شقّه من الخلف يعني أنه فرّ منها فجذبته بثوبه فانشقّ لمّا تعلّقت به . 28 - فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ . . . أي فلمّا نظر الشاهد ورأى أن القميص مشقوق من جهة القفا قالَ : إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ أي من عملكنّ وحيلتكنّ قاصدا نوع النساء ، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ فإن كيدهنّ يعلق بالنّفس ويؤثّر على القلب . وربما كان القائل عزيز مصر ، أو الرجل الذي كان معه . 29 - يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا . . . أي أن العزيز قال : يا يوسف : انصرف بكلّيتك عن هذا الحادث واكتمه وَ أنت يا زليخا : اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ أي توبي منه وأقلعي تماما إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ أي مرتكبي الأخطاء والذنوب . وعبّر بلفظ : الخاطئين باعتبار الغلبة أي من القوم الخاطئين . 30 - وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ . . . أي تحدّثت النساء في مصر في مجالسهنّ قائلات : امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ أي أنها تحاول بمملوكها أن يفجر بها وأنّه قَدْ شَغَفَها حُبًّا يعني أحبته حيا تملّكها وأصاب شغاف قلبها